محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )

85

أخبار القضاة

شديدا ، وقال : وا عجبا يا معاوية ! أتخلو بابن الزّبير في دمائنا ؟ فأذن له معاوية ؛ فدخل ، فقال : إني واللّه ما خلوت بابن الزّبير في دمائكم ، ولكن خلوت به أسأله عن أموال أهل الحجاز ؛ فقال : ثم تكلّما في دم ابن هبّار ؛ قال معاوية لابن الزبير : تسمّون قاتل صاحبكم ، ثم تحلفون خمسين يمينا ، ثم نسلمه إليكم ؛ فقال ابن الزّبير : لا ، لعمر اللّه لا نحلف عليه ، إلا أنه قد عرف أنه كان معهم ، وأنه قد وجد قتيلا في مكانهم الذي اجتمعوا فيه ؛ فقال معاوية لابن أزهر : فتحلفون خمسين يمينا باللّه ؛ أنّ ما ادّعوا على صاحبكم من قبل هذا الرجل لباطل ثم تبرءون ؛ فقال : لا واللّه ما كنا لنحلف عليه ، وما لنا بذلك من علم ؛ فقال معاوية : فو اللّه ما أدري ما أصنع ؛ أمّا أنت يا ابن الزبير فلا تحلف على هؤلاء النّفر الذين اتّهمتهم فتستحق دمك ؛ وأما أنت يا ابن أزهر فلا تحلف على براءة صاحبك فتبرئه ، فو اللّه ما أجد إلا أن أرد هذه الأيمان الخمسين على هؤلاء الثلاثة الذين اتهمتهم ، ثم يدونه ؛ قال : فردّها عليهم أثلاثا ؛ فكان معاوية أول من ردّ الأيمان « 1 » ، ولم يكن

--> ( 1 ) معاوية أول من ردّ الأيمان ، هكذا في الأصل ؛ وقد ذكر شمس الأئمة السرخسي في باب القسامة من كتاب المبسوط ، عن أيوب مولى أبي قلابة ؛ قال : كنت عند عمر بن عبد العزيز ، وعنده رؤساء الناس ، فخوصم إليه في قتيل وجد في محلة ، وأبو قلابة جالس عند السرير . أو خلف السرير . فقال الناس : قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالقود في القسامة ، وأبو بكر ، وعمر ، والخلفاء بعدهم ، فنظر إلى أبي قلابة وهو ساكت ؛ فقال : ما تقول ؟ قال : عندك رؤساء الناس وأشراف العرب ؛ أرأيتم لو شهد رجلان من أهل دمشق على رجل من أهل حمص أنه سرق ولم يرياه ، أكنت تقطعه ؟ فقال : لا ؛ قال : أرأيتم لو شهدا أربعة من أهل حمص على رجل من أهل دمشق أنه زني ولم يروه ، أكنت ترجمه ؟ فقال : لا ؛ فقال : واللّه ما قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نفسا بغير نفس إلا رجلا كفر باللّه بعد إيمانه ، أو زني بعد إحصانه ، أو قتل نفسا بغير نفس ؛ وقد قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالقسامة والدية على أهل خيبر في قتيل وجد بين أظهرهم ؛ فانقاد عمر بن عبد العزيز لذلك . وأبو قلابة وعمر بن عبد العزيز ( كما نقل العيني في شرح البخاري ) كانا يتوقفان عن الحكم بالقسامة . والقصة مروية في البخاري بأطول من هذا . وهذا لأن أمراء بني أمية كانوا يقضون بالقود في القسامة ؛ على ما روي عن الزهري ؛ قال : القود في القسامة من أمور الجاهلية ؛ أول من قضى به معاوية فلهذا بالغ أبو قلابة في إنكاره . ورواه البيهقي . وقال ابن بطال : وقد صح عن معاوية أنه أقاد بها . فالظاهر من هذه العبارة أن أول من قضى بالقود في القسامة ( لا أول من ردّ الأيمان ) معاوية ؛ لأن ردّ الأيمان على المدّعين في القسامة مسألة عمل بها العلماء ما عدا الحنفية ؛ تمسكا بما ورد في الحديث الذي أخرجه الأئمة الستة عن سهل بن أبي حثمة وفيه ( فيقسم منكم خمسون أنهم قتلوه ) وقالوا : يبدأ بالمدّعين في التحليف على تفصيلات مذكورة في كتب المذاهب لا داعي للإطالة بذكرها ، والحنفية لم يأخذوا بهذا الحديث فيحلف عندهم المدّعى عليهم ، ولا يحلف المدّعون . فذاك قضاء الرسول ، وفيه ردّ الأيمان على المدّعين ، والبدء بهم كما في الحديث السابق ، فكيف يكون معاوية أول من ردّ الأيمان في القسامة ؟ إلا إذا قصد الأولية في ردها على ثلاثة عينهم المدعي . على أن تسمية ما فعله معاوية ردّا للأيمان غير واضح ؛ لأن اليمين المردودة . كما قال ابن القيم في كتابة الطرق الحكمية في السياسة الشرعية . هي التي تطلب من المدعي بعد نكول المدعى عليه عنها ، والقسامة فيها عرض اليمين على المدعين أولا ، كما هو مذهب العلماء غير الحنفية ؛ وهم لا يردّون ؛ لأنه إذا نكل المدّعى عليهم عندهم حبسوا حتى يحلفوا في دعوى العمد كما في الخطأ فيقضي بالدية على عاقلهم ولا يحبسون . فالظاهر أن الذي أحدثه معاوية هو ما ذكره صاحب المبسوط ؛ وهو القول بالقود في القسامة ، ولو أن بعض العلماء -